السيد محمد تقي المدرسي

162

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

فقال : ثم أتاه قومه ممن يظهر التزهد ، ويدعون الناس أن يكونوا معهم مثل الذي هم عليه من التقشف « 1 » . فقالوا إن صاحبنا حصر عن كلامك ، ولم تحضره حجة . فقال لهم : " هاتوا حججكم " . فقالوا : إن حججنا من كتاب الله . قال لهم : فادلوا بها « 2 » فإنها أحق ما اتُّبِعَ وعمل به . فقالوا : يقول الله تبارك وتعالى يخبر عن قوم من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( الحشر / 9 ) فمدح فعلهم ، وقال في موضع آخر : وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ( الإِنسان / 8 ) فنحن نكتفي بهذا ، فقال رجل من الجلساء : إنا ما رأيناكم « 3 » تزهدون في الأطعمة الطيبة ومع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتى تتمتعوا أنتم منها ؟ فقال لهم ( له ) : أبو عبد الله ( عليه السلام ) دعوا عنكم مالا ينتفع به ، أخبروني أيها النفر ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه ، الذي في مثله ضل من ضل ، وهلك من هلك من هذه الأمة ؟ فقالوا له : أو بعضه فأما كله فلا . فقال لهم : من ههنا أتيتم « 4 » وكذلك أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . فأما ما ذكرتم من إخبار الله إيانا في كتابه عن القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم ، فقد كان مباحاً جائزاً ، ولم يكونوا نهوا عنه ، وثوابهم منه على الله ، وذلك أن

--> ( 1 ) ( ) المتقشف : المتبلغ بقوت ومرقع ، ومن لا يبالي بما تلطخ جسده يقال : قشف قشافة : قذر جلده ولم يتعهد النظافة ، وإن كان مع ذلك يطهر نفسه بالماء والاغتسال وقشف فلان : رثت هيئته وساءت حاله وضاق عيشه كما هو سيرة المتصوفين . ( 2 ) ( ) يقال : أدلى بحجته : إذا أحضرها واحتج بها . ( 3 ) ( ) في الكافي : أنا رأيناكم ، وهو الظاهر . ( 4 ) ( ) أتى فلان - كعنى - وهي وتغير عليه حسه ، فتوهم ما ليس بصحيح صحيحاً نقله الشرتوني عن التاج .